أسعد السحمراني
89
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
بالانفعالات ، والأفعال التي فيها الزيادة خطأ ، والنقصان موضوع للذّمّ ، بينما الوسط موضوع للمدح والنجاح . . . فالفضيلة إذن نوع من التوسّط ، بمعنى أنها تستهدف الوسط » « 1 » . إن فضيلة التوسط هي التي تجعل أخلاق الخير تسود مما يؤدّي إلى النجاح في تدبير المدن والمجتمعات ، وإلى نجاح الفرد في تدبير ذاته ، وإلى استقامة العلاقة بين أفراد المجتمع كافة . فكل شيء فيه نقائض مفرطة مضرة ومفسدة هو طريق الرذيلة ، وما فيه توسط هو طريق الفضيلة . فالشجاعة هي توسط بين الجبن والتهوّر ، والكرم وسط بين البخل والتبذير . . . الخ . لذلك فإن الخير وهو فضيلة التوسط له حدّ خاص لكل نوع من الأعمال . وإذا كان الخير بمعناه المجرد هو غاية للإنسان الفاضل من أجل تحقيق السعادة له ولمجتمعه ، لكن لا بدّ من تحديد الخير الخاص بكل نوع من الأفعال ، وذلك لأن الخير في كل واحد من الأفعال والصناعات غيره في الآخر . فالخير « في الطّبّ : الصحة ، وفي تدبير الحرب : الظفر ، وفي صناعة البناء : البيت . وهو في كل واحد من الأشياء غيره في آخر ، وهو الغاية المقصودة في كل فعل واختيار . . . فيجب من ذلك إن كان هاهنا شيء هو غاية لجميع الأشياء التي تفعل ، فهو الخير الذي ينبغي أن يفعل » « 2 » . إن قيمة هذا التحديد الأرسطي هي بأن يكون هناك قيمة هي الغاية من كل فعل ، وهي معيار الخير فيه إن تحققت . وهذا التحديد يعطي للإنسان مقياسا دقيقا لكل فعل ، وللغاية منه . وبدون هذا التحديد تضيع المعايير فيقوم كل فرد بما يحلو له ، وإذا حاسبته على النتائج ، يقول لك : اعتقدت الخير فيما قمت به . ولأن الأخلاق علم معياري للحكم على سلوك الأفراد
--> ( 1 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 96 . ( 2 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 65 .